العيني
87
عمدة القاري
الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم ، ولا ثواب له في الآخرة . قوله : ( ومن يرائي ) بضم الياء وبالمد وكسر الهمزة والثانية مثلها وثبتت الياء في آخر كل منهما للإشباع أي : من يرائي بعمله الناس ( يرائي الله به ) أي يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه فاستحق سخط الله عليه . وفيه : من المشاكلة ما لا يخفى . 73 ( ( بابُ مَنْ جاهَدَ نَفْسَهُ في طاعَةِ الله ) ) أي : هذا باب في بيان فضل من جاهد من المجاهدة ، وهي : كف النفس عن إرادتها مما يشغلها بغير العبادة . 0056 حدّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ حدّثنا هَمَّامٌ حدّثنا قَتادَة حدّثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ عنْ مُعاذٍ ابنِ جَبَلٍ رضي الله عنه ، قال : بَيْنَما أنا رَدِيفُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنهُ إلاَّ آخِرَةُ الرَّحْلِ ، فقال : ( يا مُعاذُ ! ) . قُلْتُ : لَبَّيْكَ يا رسولَ الله وسَعْدَيْكَ ، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قال : ( يا مُعاذُ ! ) قُلْتُ : لبيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ ، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قال : ( يا مُعاذُ بنَ جَبَلٍ ! ) قُلْتُ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْديْكَ . قال : ( هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ الله عَلى عِبادِهِ ؟ ) قُلْتُ : الله ورَسُولُهُ أعْلَمُ . قال : ( حَقُّ الله عَلى عِبادِهِ أنْ يعْبُدُوهُ ولا يشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) ثُمَّ سارَ ساعَةً ، ثُمَّ قال : ( يا مُعاذُ بن جَبَلٍ ) قُلْتُ : لَبَّيْكَ رسُولَ الله وسَعْدَيْك . قال : ( هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ العِبادِ عَلى الله إذا فَعَلُوهُ ؟ ) قُلْتُ : الله ورسُولُهُ أعْلَمُ . قال : ( حَقُّ العِبادِ على الله أنْ لا يُعَذِّبَهُمْ ) . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه مجاهدة النفس بالتوحيد ، وجهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكبر . وهذا الحديث بعين هذا الإسناد والمتن قد مر في كتاب اللباس في باب مجرد عقيب : باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه ، فإنه أخرجه هناك عن هدبة بن خالد عن همام بن يحيى عن قتادة . . . إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك ، ونظيره مضى عن أنس في آخر كتاب العلم في : باب من خص بالعلم قوماً . قوله : ( رديف النبي صلى الله عليه وسلم ) الرديف هو الراكب خلف الراكب . قوله : ( إلاَّ آخرة الرحل ) الآخرة على وزن الفاعلة وهي العود الذي يستند إليه الراكب من خلفه ، وأراد بذكره المبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعه لكونه أضبط ، وأما تكريره صلى الله عليه وسلم ، عليه ثلاثاً فلتأكيد الاهتمام بما يخبره ولتكميل تنبه معاذ فيما يسمعه ، والرحل سرج الجمل . وقال الجوهري : الرحل رحل الجمل وهو أصغر من القتب . قوله : ( لبيك ) قد مضى الكلام فيه مراراً أنه من التلبية وهي إجابة المنادي أي : إجابتي لك يا رسول الله ! مأخوذ من لب بالمكان وألب إذا قام به ، ولم يستعمل إلاَّ على لفظ التثنية في معنى التكرير ، أي : إجابة بعد إجابة وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر ، كأنّك قلت : ألب إلباباً بعد إلباب . قوله : ( وسعديك ) أي : ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة وإسعاداً بعد إسعاد ، ولهذا ثنى ، وهو أيضاً من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال ، وقال الجرمي : لم يسمع سعدك مفرداً . قوله : ( لبيك رسول الله ) أي : يا رسول الله ، حذف فيه حرف النداء ، وفي العلم بإثباته . قوله : ( فقال : يا معاذ ) وفي رواية الكشميهني : ثم قال : يا معاذ ، قوله : ( هل تدري ما حق الله على عباده ) الحق كل موجود متحقق أو : ما سيوجد لا محالة . قوله : ( أن يعبدوه ) أي : أن يوحدوه . قوله : ( ولا يشركوا به شيئاً ) ، تفسيره وقيل : المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي . قوله : ( ما حق العباد على الله ؟ ) يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون خرج مخرج المقابلة في اللفظ كقوله تعالى : * ( ومكروا ومكر الله ) * ( آل عمران : 45 ) والثاني : أن يكون أراد حقاً شرعياً لا واجباً بالعقل كقول المعتزلة ، وقيل : معنى الحق المستحق الثابت أو الجدير ، وهو كالواجب في تحققه ، وقال القرطبي : حق العباد على الله هو ما وعدهم به من الثواب والجزاء . 83 ( ( بابُ التَّواضُعِ ) )